الثلاثاء , 24 أكتوبر 2017
الرئيسية / راى / بيوت الشباب .. الألمان

بيوت الشباب .. الألمان

بقلم : مى عزام

ــــــــــــــــــــــــــــــ

فى عام 2006، قمت بزيارة إلى برلين، ضمن برنامج زيارات متبادلة للصحفيين بين مصر وألمانيا، شاهدت عددا من بيوت الشباب المنتشرة هناك، حرص مرشدنا الألمانى أن يذهب بنا حيث كان السور الذى يفصل ما بين برلين الشرقية والغربية، لوحة معدنية على أرض الشارع تذكرك بجدار العزل. زرنا أكبر مركز شباب فى برلين، كان يقع فى الجانب الشرقى منها، مساحته مذهلة، كان معدا لتدريب الشباب وإعدادهم للتفوق فى كافة الألعاب الرياضية، حتى التجديف، كانت هناك بحيرة صناعية ضخمة للتمرين. ألمانيا الشرقية لم تكن بلداً متخلفاً حضارياً عن نصفها الغربى، كان لديها علماء وصناعة ورعاية صحية وتعليم جيد وأبطال رياضيون يحصدون الذهب فى الألعاب الأوليمبية والفنون، صحيح أن شعبها لم يكن ينعم بالرفاهية أو اللمسات الجمالية فى المبانى والسيارات وغيرها، لكنها لم تكن دولة مفلسة تعيش بالدين، بالعكس وفرت مقومات الحياة الأساسية لشعبها بأرخص الأسعار، فما الذى جعل الألمان يشتاقون للرحيل عنها والهرب إلى الجانب الغربى من السور؟.

(2)

سؤال ظل معلقا حتى شاهدت فيلم «حياة الآخرين»، وهو للمخرج الألمانى فلوريان هينكل فون دونرسمارك، والذى قام بكتابته أيضاً. الفيلم يدور حول الرقابة البوليسية على الحياة الخاصة للمواطنين فى ألمانيا الشرقية قبل سقوط حائط برلين بأربع سنوات، استطاع فيه المخرج ببراعة أهلته للحصول على العديد من الجوائز العالمية، أن ينقل للمشاهد أساليب عمل الشرطة السرية هناك، بطل الفيلم هو «جيرد ويسلير»، المسؤول فى وزارة الأمن القومى فى ألمانيا الشرقية، والذى كلف بمهمة التجسس على «جورج دريمان»، وهو كاتب مسرحى معروف من داعمى النظام، كان وزير الثقافة «همبف» مغرما بصديقته الممثلة المسرحية «كريستا ماريا زيلاند» ويريد أن يتخلص منه ويسعى لإدانته ليخلو له الطريق. يبدأ «ويسلير» مهمته بمساعدة موظفين آخرين من جهاز الشرطة السرية، بالتجسس على «دريمان» بعد أن زرعوا فى شقته أجهزة تنصت، وتتم مراقبته على مدار الساعة. حياة الكاتب تصبح عارية تماما أمامهم. «كريستا ماريا» كانت تتعرض لابتزاز الوزير «همبف» الذى يرغمها على إقامة علاقة جنسية معه مقابل أن تستمر فى عملها كممثلة فى مسرح الدولة، وكانت تعالج نفسيا لشعورها بالعار والتدنى. تمر الأحداث ويحدث ما لم يكن متوقعا، فينقلب الكاتب على النظام بعد انتحار صديقه المخرج الذى أوقفته الدولة عن العمل، ويبدأ فى كتابة مقالات تهاجم النظام يهربها لتنتشر فى ألمانيا الغربية، وفى نفس الوقت يتأثر «ويسلير» بحياته وحياة «كريستا» وتفاصيلهما الإنسانية ويتعاطف معهما، ويقارن حياتهما بحياته الجافة الباردة، ويبدأ يعمل لصالح الكاتب وليس ضده، ويتحايل لإخفاء أخباره عن قيادته، بل يقوم بتزوير التقارير المقدمة عنه، وإخفاء أداة الجريمة التى كان سيتم إلقاء القبض على الكاتب بسببها، وهى الآلة الكاتبة التى يكتب بها المقالات والتى أبلغت كريستا عنها تحت الضغوط التى تعرضت لها، انتهى الأمر بموت كريستا وعقاب ويسلر وخروجه من الخدمة ولا يكتشف الكاتب حقيقة الأمر إلا بعد سقوط نظام ألمانيا الشرقية.

(3)

الفيلم لا يمكن تلخيصه فى كلمات محدودة، لكنه نجح فى إظهار عورات الأنظمة القمعية التى تتعامل مع شعوبها باعتبارهم مجرد امتداد لظلها على الأرض، فهى التى تطعمهم وتسقيهم ويمكنها أن تمنع عنهم ذلك لو أرادت، وليس من حق رعاياها المعارضة، هذه الأنظمة كالخفافيش تعيش فى الظلام على أكاذيب يرددها إعلامها الموجه الذى يعمل بتعليمات أمنية، وهى تعطى لنفسها الحق فى التجسس على الجميع ومراقبة تحركاتهم، وابتزازهم والتنكيل بهم وتعذيبهم وتلفيق التهم لهم فى حال خالفوها الرأى أو طالبوها بتغيير، بالرغم من أن الفيلم يدور فى ثمانينيات القرن الماضى، فكل ما تراه على الشاشة قابل للتطبيق فى أى زمان ومكان. بعد مشاهدتى للفيلم أدركت لماذا تدافع سكان برلين الشرقية محطمين الجدار العازل، لقد كانوا بحاجة لتنفس هواء نقى لم يفسده تجسس الأخ الكبير. منظومة الحكم فى ألمانيا الشرقية التى كانت تختفى خلف أفكار مثالية، محاربة الرأسمالية الجشعة وتطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة لم تكن فى حقيقتها سوى نظام حكم فاسد ومزيف يحتكر رجالاته لأنفسهم ما حرموه على شعوبهم.

(4)

فيلم «حياة الآخرين» يؤكد أن الإنسان يحتاج لما هو أكثر من سد جوعه وتأمين حياته، فهو يسعى لمساحة يعبر فيها عن نفسه بحرية، ويتمتع فيها بالخصوصية، ومن أجل ذلك قد يعرض نفسه للجوع والسجن أو حتى الموت.

شاهد أيضاً

نهاية فشل ” علاقة زوجية” .. على الهواء

  بقلم : نهى الصراف ـــــــــــــــــــــــــــــــــ في الأقل، كان هناك أحد ما على الجانب الآخر من …