الجمعة , 22 سبتمبر 2017
الرئيسية / راى / مافيا تربح البلايين .. من أنامل صغيرة!!

مافيا تربح البلايين .. من أنامل صغيرة!!

بقلم : سيلفيا النقادى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك ثمن إنسانى يدفعه آخرون مقابل سعادتنا، حتى وإن كانت هذه السعادة للحظات.. أراقب حفيدى الصغير منزويا فى ركنه المفضل بالمنزل وفى يده هذه اللفافة الذهبية البراقة.. بحرص شديد يحاول إزاحة اللفافة دون أن يتلفها من شدة جمالها، ليكتشف أنها تحجب قطعة بنية اللون مستديرة الشكل «طرية» الملمس زكية الرائحة.

على الفور يلتقطها فمه الصغير لتذوب بمتعة وراحة وسعادة يعبر عنها وجهه البرىء الذى نال قسطا وفيراً من الاتساخ الذى خرج من هذه القطعة الصغيرة التى نطلق عليها «الشيكولاتة» والتى لم يكتف حفيدى بواحدة فقط منها.. وعلى قدر سعادتى وأنا أراقب هذا المشهد الطفولى الجميل كان فى خيالى أيضاً هذه المشاهد المأساوية الحزينة للأطفال الذين يعملون بالسخرة فى مزارع الكاكاو.

فهناك فى طرف بعيد من العالم وبالتحديد فى غرب إفريقيا حيث مزارع الكاكاو المنتشرة فى كوت ديفوار يقضى آلاف من الأطفال ساعات طويلة من العمل الشاق فى حصاد ثمار الكاكاو القاسية على أياديهم الصغيرة النحيفة.. يعملون ويعملون وهم يجهلون أن هذه الثمرة الداكنة اللون يخرج منها طعم لذيذ يذوب فى الفم يعرف باسم «الشيكولاتة».

إنها مأساة إنسانية مؤلمة يلقى الضوء عليها مؤسسات دولية وشبكات فضائية تعمل على حماية الأطفال من عصابات الاتجار بالبشر، التى تستغل هؤلاء الأطفال فى أعمال كثيرة ــ وكأنهم عبيد ــ من أجل الربح غير الأخلاقى.. هؤلاء الأطفال يتم جلبهم كما ذكرت شبكة الـ«سى.إن.إن» الدولية من مناطق كثيرة فى إفريقيا من بينها مصر، حيث يتعرضون لحياة غير إنسانية وظروف عمل قاسية فى سن صغيرة تتراوح ما بين ١٠ ــ ١٦ عاماً.. هؤلاء الأطفال خاضعون لشبكات ممتدة عبر إفريقيا متخصصة فى الاتجار فى الأطفال القصر من أهمها مالى التى تعد المصدر الأهم للأطفال العاملين فى مزارع الكاكاو بساحل العاج، حيث يتم التقاطهم من الشوارع مستغلين حاجتهم للطعام والمال، ثم يتم شحنهم إلى هذه المناطق التى ينتشر فيها نبات الكاكاو، حيث يسلمون لمزارعى الكاكاو بمقابل ليبدأوا حياة جديدة ينتقلون فيها من الفقر والحاجة إلى العمل بالسخرة كالعبيد فى ظروف لا إنسانية وبمقابل زهيد جداً.. ترى هل نعلم بذلك؟ أم أننا نتجاهل أو لا نستطيع أن نسيطر على هذه العصابات التى تلتقط أطفال الشوارع الذين يهربون معهم من جحيم إلى جحيم آخر يجهلونه لأننا وحتى الآن لم نصل إلى حلول جادة تتعلق بهؤلاء الأطفال بالرغم من الدراسات التى تؤكدها منظمة اليونسيف أن هناك أكثر من ٢٠٠٫٠٠٠ طفل يتم الاتجار بهم سنوياً أى بيعهم للعمل بالسخرة فى غرب ووسط إفريقيا.

وصحيح أن هذا الرقم لا يشمل أطفالا من مصر وحدها، بل ربما تكون حصة مصر قليلة إذا تمت مقارنتها بباقى الدول الإفريقية.. ولكنى أردت من خلال هذه القضية أن ألقى الضوء على أحد المشاهد اللا إنسانية التى يتعرض لها الأطفال بشكل عام من خلال عمليات الاتجار العديدة التى تتخذ صورا ربما أكثر رعباً من هذه!!.

أردت أن ألقى الضوء على أحد أشكال الرفاهية التى نستطعمها ونحصل عليها بسهولة دون أن ندرى كم هى مكلفة إنسانياً.. كم هى مؤلمة للآخرين الذين يمنحون لنا السعادة.. السعادة التى لا يعرفون طعمها أو حتى تذوقوها!!.

إنها قضية لا تتعلق بحجم استهلاك العالم لـ«الشيكولاتة» إنما هى تتعلق بمعنى السعادة التى نحصل عليها.. ولو لثوان معدودة كما ذكرت، على حساب سعادة الآخرين.. مأساة تتكرر فى أشكال كثيرة ضحيتها هؤلاء الأطفال، الذين يهشهم البعض كالذباب عندما يمدون اليد للمساعدة فى الشارع، وليصبح مصيرهم فى النهاية مأساوياً حزيناً.

جلست أشاهد هذا التقرير الذى بثته الـ«سى.إن.إن» رأيت أطفالاً يعملون من السادسة صباحاً حتى السابعة مساء يتعرضون للحبس ليلا حتى لا يهربوا ويتعرضون للعنف البدنى.. يتعرضون للجروح التى تصيبهم من خلال استخدامهم الآلات الحادة.. أكياس حبوب الكاكاو التى ينقلونها للسيارات أكبر حجماً وأطول من أجسادهم وعادة ما تتعرض للسقوط فوق رؤوسهم الصغيرة!!.

فى النهاية ربما يكون هنا التقرير بعيداً عن اهتمامكم.. لكنه تذكرة للثمن الإنسانى للسعادة!!، الثمن الذى تتجاهله كبرى الشركات العالمية المنتجة والمصنعة للشيكولاتة. مافيا دولية تربح البلايين على حساب أنامل صغيرة!!.

 

شاهد أيضاً

أميمة عبد العزيز زاهد

سأتعلم كيف أقتلع حبه من داخلي

بقلم : أميمة عبد العزيز زاهد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قالت: فجأة وبلا مقدمات اشتعلت الخلافات بيني وبين …