الأحد , 24 يونيو 2018
الرئيسية / راى / التشتت اللعين .. في بلاد المنافي

التشتت اللعين .. في بلاد المنافي

بقلم : رابعة الختام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أصوات المدافع وطلقات الرصاص الحي لم تعد مجرد كابوسا يؤرق نومنا ويوقظ أبناءنا في أحلى أوقات الليل ويجذبهم من جمال نومهم العميق الهادئ ويلقي بهم على عتبات الفزع والصراخ والخوف من المجهول.

قنابل الموت وأصوات المدافع باتت إحدى مفردات حياتنا وجزءا لا يتجزأ من يومياتنا، لا فرح ولا ضحكات باتت تحس أو تسمع ولا حياة تعاش، في سوريا التي كان يوما ما جميلة، الجميع بلا استثناء على خط النيران، كلنا في الحرب سواء، جميعنا شركاء ذات التفاصيل الدامية المرعبة، خضنا تجربة الموت مرات ومرات، نستيقظ كل صباح نحمد الله تعالى على أننا مازلنا على قيد الحياة.

زفرات وتنهيدات حارقة، ساخنة، خرجت طازجة بلا رتوش من فم ريما المرأة السورية الثكلى التي لاذت بمصر كبلد أمن أهلها، وهم في رباط إلى يوم الدين.

تبكي الشابة السورية الحزينة على بلادها، المسكونة بالحرب وتشتت أبناء وطنها في دول اللجوء، تحكي آخر أيامها في بلدها: كانت ساعة الحائط تدق بوتيرة أسرع مما هي عليه دائما وبعكس المعتاد من عقاربها السوداء القاتمة التي تشبه السيدة العجوز، تتقافز كشباب في سباق رياضي، وهذا العقرب الصغير الأهوج لا يكف عن الارتطام بأخويه محدثا ضجة مرعبة، اختلطت أصوات كثيرة لم تعد تتبينها، صوت دقات قلبها، ودقات الساعة وأصوات النيام في ظلام الليل مسموعة رغم الصمت السائد.

في هذه الليلة الملعونة ضربت قذيفة مجهولة المصدر جدران بيتها الصغير، تهدم نصف المنزل تماما وهي على الجانب الأخر في الجزء الذي استطاع الصمود يجرها الذهول إلى تصور سيناريوهات حالكة السواد والظلمة لعمرها القادم والذي ظنته دقائق معدودة لن تهنأ بعدها حتى بشربة ماء تنظر للحطام بتوجس رهيب، تتعالى أصوت صغيريها، ورائحة شواء جسد أمها تتصاعد لأنها وإن كانت تعيش وتفتح عينيها لكنها تعجز عن إنقاذهم، لحظات بطيئة قاتلة بعدها خارت قوى النصف الأخر من المنزل، سقط من قوة القذيفة، وربما لم يحتمل الإحساس بالذنب من صموده أمام النصف الآخر وتخليه عنه ليسقط وحده بينما هو ينعم بالتماسك، وحتى يجنبها عناء عذاب الضمير والعجز عن إنقاذ أمها وابنيها، هي أيضا تحت الركام ويكسو جسدها التراب الأسود الخانق، ميتة أم مازالت على قيد الحياة؟ لا تعلم شيئا، فقط رؤية ضبابية ووشيش الأصوات، وتلك الرائحة، لا تعلم كم بقيت في هذا الوضع المأساوي الذي لا تحسد عليه، لحظات، دقائق، ساعات، أياما، شهرا؟ عمرا؟ دهرا؟ ربما!

كل الأسئلة تحتمل الإجابة بنعم أو لا عدا سؤالا واحدا، هل مازالت ريما على قيد الحياة؟

رغم إنقاذها ورحيلها من قلب الحرب إلا أنها تقول متُّ هناك، تركت قلبي وروحي وعمري في سوريا، حين ماتت أمي وصغيراي كتبت شهادة وفاتي، لكنها لم تسجل بعد في دفاتر وسجلات رسمية، رغم وجودي الآن بين البشر، أمشي على قدمين، إلا أن الحياة لم تعد تنبض في وريدي، ولست إلا امرأة فارقت الحياة!

لا تعتبر ريما البيضاء غضة القوام، مصر إحدى بلاد المنافي ولم يسكن قلبها وجع من تغربت عن أهلها حين جاءتها، على العكس تماما ضمدت بعض أياد رحيمة جراحا غائرة، عميقة كعمق مأساتها على بلاد جميلة مزقها الوجع والعناد.

قالت في شجن وعيون تملؤها العبرات الحارقة، سوريا قدّمت لنساء العالم العربي صورة حقيقية لثمن الحروب والنزاعات، دفعت فاتورة باهظة الثمن، فلا تسعين لنفس المصير القاتم.

لم يعد في قلب دمشق الجميلة أقدم المدن صاحبة التاريخ العميق، والتراث الحضاري الشامخ، مكان لتحمّل مزيدا من الأحزان، على أرضها خليط متنوع من كافة أصناف البشر، تنوع ديني وعرقي ولغوي يعيش في تسامح ورضا جعل من نسيج أهلها خامة قوية متماسكة، رغم الحروب والتشتت اللعين في بلاد المنافي وعلى عتبات دول العالم أجمع. رفقا بسوريا ونسائها.

شاهد أيضاً

ميغان ماركل .. ” سندريللا عصرية “

بقلم : شيماء رحومة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ،، باختصار كشف الزفاف الملكي أن البساطة والوفاء والمحبة الخالصة …