الخميس , 20 سبتمبر 2018
الرئيسية / راى / المملكة الفيسبوكية الزرقاء

المملكة الفيسبوكية الزرقاء

بقلم : لطيفة الدليمى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يس من شكّ في أنّ وسائل التواصل الاجتماعي شكّلت انعطافة ثورية غير مسبوقة على كلّ الجبهات الإنسانية، وربّما تكون المفاعيل السايكولوجية لهذه الانعطافة (التواصلية الرقمية) هي الأخطر والأبرز والأكثر تأثيرا في الكائنات البشرية؛ فقد أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة الفيسبوك الأكثر شيوعا في المنطقة العربية، للفرد العربي نافذة مكّنته من الإطلالة على العالم والتعبير عمّا يجول بخاطره وجَعْله مكشوفا أمام العالم بكبسة زر يسيرة.

إنّ هذا الانكشاف الفردي للأفكار الشخصية أمام العالم موضوعة إشكالية عظيمة التأثير وهي موضع مساءلة بحثية مستمرة ودراسات استقصائية مكثفة على مستوى العالم بأكمله لمعرفة الكيفية التي تتغاير بها أنماط التفكير البشري إزاء الاستجابات اللحظية للأفكار المعروضة على الملأ؛ لكن ثمّة بعض المشتركات لدى معظم الفيسبوكيين في العالم صارت بمثابة مدوّنة أعراف للنشر الفيسبوكي، والجوهر في تلك الأعراف هو أنّ منصة التواصل الفيسبوكية ينبغي أن تكون شيئا أكبر من محض “دردشات” رخيصة عابرة، أقرب إلى ثرثرات المقاهي، ولكن في الوقت ذاته أقلّ من أطروحات أكاديمية أو فلسفية مثقلة بالإشكاليات المعرفية.

والسبب وراء هذه المقايسة يسير وواضح: الفيسبوك منصّة تواصلية لتعزيز العلاقات البشرية وكبح قيود العزلة القسرية التي قد يعيشها بعض الأشخاص لأسباب قاهرة، ولا بأس بالطبع من تبادل المطارحات الفكرية إنما في حدود لا تنفّر البقية من رعايا المملكة الفيسبوكية الزرقاء. القاعدة الحاكمة في الفضاء الفيسبوكي إذن هي أنّ الفيسبوك أكبر من ثرثرات عابرة وأقلّ من أنساق حجاجية فكرية أو فلسفية كبيرة.

يحصل أحيانا وأنا أقلّب الصفحات الافتراضية الفيسبوكية أن أعثر على أطروحات فكرية رصينة بالغة الثراء لبعض الكاتبات والكُتّاب ممّن لي معهم سابق معرفة وظيفية أو فكرية على الأغلب، وتعقب تلك الأطروحات تعليقات مطوّلة لا تقلّ ثراء عن ثراء الفكرة المطروحة، فأسائل نفسي: وماذا بعدُ؟ ماذا بعد رمي كلّ تلك النفائس الفكرية في قاع المحيط الفيسبوكي العميق لتودع في محفوظات الذاكرة الرقمية العالمية التي قد لا تتاح لنا معاينتها مرّات أخرى؟ لماذا يُهدَرُ هذا الجهد الخلّاق واللغة الرائقة المشذّبة في أتون فعالية يبدو مآلها الحتمي إلى غياهب النسيان؟

قد تختلف الإجابات على تساؤلاتي تبعا لرؤية المرء وأنساقه الفكرية والثقافية؛ إنما يبدو لي أنّ الاحتمال الأكبر هو الآتي: إنّ بعض الأشخاص ممن يتوفرون على قدرات إبداعية بارعة قد ضاقوا ذرعا بأنماط النشر التقليدية التي يكتنفها الكثير من الأحابيل الملتوية وبخاصة إذا كان هؤلاء الأشخاص لا يجيدون لعبة العلاقات العامة بسبب تركيبتهم السايكولوجية التي تُؤثِر العزلة وتُبدي نفورا طبيعيا من سياقات العمل غير اللائقة مهنيا وفكريا؛ لذا نراهم يلجأون إلى النافذة الفيسبوكية لتفريغ شحناتهم الفكرية في فعل هو أقرب – ربّما – إلى النكاية بدور النشر التي تعتمد النشر الورقي التقليدي.

ولعلّ هؤلاء الأشخاص يطمحون عبر تعزيز الأطروحات الفكرية (القوية) في الفضاء الفيسبوكي إلى تدشين عصر رقمي مختلف يتقبّل الأفكار القوية والرصينة في وسائل التواصل الاجتماعي حتّى لو تطلّب الأمر تعديل مدوّنة الأعراف الفيسبوكية وجعلها تتقبّل الأفكار غير الطارئة والبعيدة عن المونولوجات الشخصية العقيمة والتعليقات المجاملة.

نحن على أعتاب ثورات فكرية لا نملك صورة لها في وقتنا الحاضر، ولا أظنه بعيدا ذلك اليوم الذي سنشهد فيه بزوغ أفلاطون رقمي من غياهب الذاكرة الفيسبوكية.

  • كاتبة عراقية

شاهد أيضاً

ميغان ماركل .. ” سندريللا عصرية “

بقلم : شيماء رحومة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ،، باختصار كشف الزفاف الملكي أن البساطة والوفاء والمحبة الخالصة …