الخميس , 20 سبتمبر 2018
الرئيسية / راى / “بلاس دي تريتر”

“بلاس دي تريتر”

بقلم : ميموزا العراوى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تلة مونمارتر الباريسية، لا سيما ساحة “بلاس دي تريتر” ذات الشكل المربع هي ساحة سياحية غالبا ما تغصّ بالزوار من كل أنحاء العالم حتى يكاد الزائر منهم أن يغفل رؤيتها أو رؤية أي تفصيل منها دون أن يكون طابعها السياحي/الكيتش غالبا عليها.

و”الكيتش” عبارة أو صفة تحمل أكثر من معنى، ولكنها بشكل عام هي صفة سلبية تُطلق على أي عمل يُعتبر تزينيا أو مُقلدا لأي عمل فني أصلي له قيمة عالية في عالم الفن.

كانت هذه الساحة في القرن التاسع عشر لا سيما النصف الثاني منه، قبل أن تتحوّل إلى منطقة “كيتشية” من الطراز الأول، تعجّ بالفنانين من أمثال الفنان بابلو بيكاسو والفنان فانسان فان غوغ والفنان سلفادور دالي، الذين توجهوا للسكن والعمل فيها، لأن العيش هناك كان أقل كلفة من باقي المناطق الباريسية، وكانت اللقاءات الفكرية والفنية كفيلة بأن تجعل تلك المنطقة لولبا مغناطيسيا من الحركة المتواصلة.

مونمارتر اليوم هي نسخة رديئة عمّا كان سائدا في الماضي، إذ يتّخذ الكثير من الرسامين الرديئين مقاعدهم في قلب الساحة ليرسموا هذا السائح أو ذاك، وغالبا ما نجد منهم من ينتحل شخصيات فناني الفترة الذهبية من خلال طريقة ملابسهم، أو في ما يرسمون من مشاهد تستنسخ عوالم الأعمال من الفن الانطباعي الذي لمع وهجه في باريس الأمس.

أما حول هذه الساحة المربعة، فهناك مربع آخر ترتصّ فيه المحلات السياحية الصغيرة التي تبيع نُسخا من أشهر اللوحات الفنية، إضافة إلى هدايا كالصحون أو الأباريق أو الأقلام أو حمالات المفاتيح التي تحمل صورا عن أعمال فنانين مشهورين غيّروا وجه الفن في فترة من الفترات، ولكنهم كانوا يعيشون بؤسا كبيرا وشحا في الأموال.

يمكن رؤية نظرية تحوّل تلة مونمارتر ولا سيما قلبها المربع “بلاس دي تيرتر” إلى مدينة “كيتشية” مزيّفة في مجال آخر غير بعيد، وذلك حين يجد الكثيرون أن أهم الفنانين والأعمال الفنية يخسرون قيمتهم الأصلية عندما يتم تحويل تلك الأعمال إلى سلعة سياحية من خلال طباعة صورها على صحون أو على أشياء أخرى. ويندرج من ضمن معنى “سلعة سياحية” تبخيس من قيمة الفنان ومن القيمة الفنية لتلك الأشياء على السواء، وذلك بغض النظر إن كانت هذه الأشياء باهظة الثمن أو لا.

ويجيء هذا التبخيس في أعلى درجاته إذا كانت تلك الأشياء تحمل صورا أو مقتطعات بصرية من أعمال فنانين لا يزالون على قيد الحياة ولا يعيشون حياة الذل التي عاشها فنانو الفترة الذهبية للفن التشكيلي الفرنسي.

هذا ما حدث مؤخرا وتحديدا حول فنانين مرموقين وناشطين اثنين من العالم العربي وهما الفنان اللبناني حسين ماضي والفنان السوري سعد يكن، ففي حين “وقّع” باسمه الفنان الأول مجموعة من فناجين قهوة تحمل رسوماته، عرض الثاني في معرضه الأخير مجموعة صحون أبدع عليها رسومات لفراشات تحمل شخصية ريشته، قبل أن تظهر مؤخرا على شبكات التواصل الاجتماعي صور من مدينة دبي عن عرض أزياء حمل دمغات فنه استثنائي الملامح.

لكن إن نظرنا إلى فكرة إدخال الفن التشكيلي من باب تجاري/سياحي الملامح من زاوية أخرى، لوجدنا أن للفنانين ولغيرهما من الفنانين الحق والقدرة على دمج موهبتهم الفنية مع فنون أخرى كالأزياء أو تصميم الأواني وغيرها من الأشياء المُخصّصة للعرض أو للاستخدام، ناهيك أن الفنانين هما طرفان في عملية “تهجين” وجه من وجوه فنهما الخصب عبر إخضاعه  لنظام جديد يهبه بعدا آخر أو شكل حياة إضافية، دون أن  ينتقص من فنيّته.

قد لا يستسيغ أحدنا احتساء فنجان قهوة مدموغ بفن اللبناني حسين ماضي، وربما لن ترغب سيدة في ارتداء ثوب يحمل رسومات الفنان سعد يكن، هذا أمر شخصي، لكنه حتما لا ينتقص من أهمية الفنانين ولا من غنى ما قدّما إلى عالم الفن العربي/الشرق أوسطي المعاصر.

  • ناقدة لبنانية

شاهد أيضاً

ميغان ماركل .. ” سندريللا عصرية “

بقلم : شيماء رحومة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ،، باختصار كشف الزفاف الملكي أن البساطة والوفاء والمحبة الخالصة …