السبت , 20 يناير 2018
الرئيسية / راى / «ثورة المراحيض»… اتعلموها بقى

«ثورة المراحيض»… اتعلموها بقى

بقلم : مى عزام

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

«النظافة من الإيمان» عبارة كان يقرأها تلاميذ المدارس من جيلى على ظهر الكراسات ضمن مجموعة من قواعد السلوك القويم، لكن عندما تكبر في مصر تكتشف أن الكلام شىء والفعل شىء آخر، لو صدقنا هذه الجملة، سنتشكك في إيمان عامة المصريين، شوارعنا وحوارينا في الحضر والريف ليس لها علاقة بالنظافة من قريب أو بعيد، أكوام القمامة تطل علينا بجرأة في الأحياء الراقية والشعبية، وتجعلك تتساءل عن دور الحكومة والمحافظين ورؤساء الأحياء والمدن، كل دول بيشتغلوا إيه؟

كتبت أكثر من مرة عن أن العائق أمام تدفق السياحة على مصر، سوء السلوك والخدمات المقدمة للسائح: تحرش ونصب وتسول، وقذارة في الشارع، وعدم مراقبة ومتابعة نظافة وصلاحية ما تقدمه المقاهى والمطاعم وخاصة في الأماكن الشعبية، وسائل المواصلات العامة حالتها مزرية، المراحيض العامة تخجل من وصفها، رغم أن وجودها ونظافتها شىء مهم جدا لأى مدينة تريد أن تكون جاذبة للسياحة، لا يوجد سائح في العالم لا يحتاج لها أثناء تجواله في شوارع المدينة التي يزورها.

(2)

معظم المدن الأوروبية توفر مراحيض عامة بأجر للمستخدم (حوالى يورو ) لتظل على مستوى جيد من النظافة والصيانة. مدينة بريمن الألمانية، والتى تقع في شمال غرب ألمانيا وهى مقصد للسائحين، فكرت في مشروع جديد يقلل تكلفة صيانة المراحيض العامة، تم تأسيس مشروع أطلقوا عليه اسم «المرحاض الجميل»، ويهدف إلى حل مشكلة المراحيض العامة، فكرة المشروع بسيطة جدا، أن تكافئ بلدية المدينة المقاهى والمطاعم التي تفتح مراحيضها للاستعمال العام بمبلغ يتراوح بين 50 إلى 100 يورو سنويا، يوفر هذا المشروع على السلطات المحلية 450 مليون يورو سنويا تكاليف صيانة ونظافة المراحيض العامة، في هذه المدينة انضم أكثر من 100 مكان لهذا المشروع، يمكن للمارة والسائحين تحميل تطبيق على هواتفهم الذكية، لمعرفة المرحاض العام الأقرب إليهم والمتاح لهم استخدامه، بعض الأماكن التي فتحت مراحيضها للعامة تجد أن المبلغ المحدد لا يكفى لصيانة المراحيض وأن هناك من يسىء استخدامها كالمخمورين والمدمنين، لكن المشروع وجد استحسانا عاما، خاصة من الأمهات وكبار السن والمعاقين، وأصبحت مدينة بريمن بعد هذه الخدمة توفر أنظف مراحيض على مستوى ألمانيا للجمهور. مما شجع أكثر من 240 مدينة في ألمانيا وسويسرا للانضمام إلى المشروع. فكرة بسيطة تحتاج فقط للمتابعة والمرونة ويمكن تطبيقها في مصر.

(3)

الهند لديها مشكلة كبيرة مع المراحيض، وفقا لأرقام منظمة الصحة العالمية، فإن هناك حوالى ستمائة مليون مواطن هندي ليس لديهم مراحيض خاصة بهم، تقريبا نصف عدد السكان.قلتها تسبب العديد من الجرائم: سرقة اغتصاب وقتل، النساء الريفيات يسرن لمسافات طويلة خارج القرى ليقضين حاجتهن وهو ما يعرضهن لمآسى، لم يخجل رئيس الوزراء «ناريندرا مودي» من ذكر ما تتعرض له النساء الفقيرات في بلده، بل أثار الموضوع خلال خطبة رسمية له قال فيها: «نحن في القرن الـ 21 وحتى الآن لا يوجد كرامة للنساء حين يذهبن إلى التبرز في العراء، يمكننا أن نتخيل عدد المشاكل التي تواجهها المرأة بسبب ذلك». وعد مودى بإنشاء ما يقرب من خمسة ملايين مرحاض في الهند خلال الـ100 يوم الأولى من حكمه، كما تعهد بإنشاء مراحيض منفصلة للنساء في جميع المدارس الهندية، لأن نقص المراحيض المنفصلة في المدارس يعتبر من أسباب تسرب مئات الآلاف من الفتيات الصغيرات من المدارس.

(4)

الصين، صاحبة ثانى اقتصاد في العالم، وضعت خطة بناء وتجديد 64 ألف مرحاض عام بين عامي 2018 و2020 في إطار ما سمته «ثورة المراحيض»، وتركز الصين على نحو خاص على قطاع السياحة الناشئ حيث تعهدت أواخر العام الماضي باستثمار نحو290 مليار دولار في قطاع السياحة على أمل أن ترفع مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي السنوي.

في الوقت الذي حققت فيه ثورة المراحيض التي بدأت قبل ثلاث سنوات إنجازات كبيرة بحسب الإدارة الوطنية للسياحة، لا تزال الشكاوى من نظافة المراحيض في المواقع السياحية الصينية تؤثر على إمكانيات انتعاش القطاع.

(4)

الاهتمام بالمراحيض العامة، ليس ترفا ولا لغوا فارغا، فهو حق إنساني طبيعى وهو ما أدركته حكومة «مودى» في الهند، كما أن نظافة المراحيض العامة جزء أساسى من تحسين جودة الحياة، ولهذا تحرص عليه مدينة بريمن الألمانية وغيرها من المدن في البلدان المتقدمة، وهى طريقة لتحسين صورة البلد لجذب السائحين وهو هدف الصين الذي وضعت له جدولا زمنيا. اهتمام الدولة بمثل هذه التفاصيل الحياتية، يعود بنفع مباشر على المواطن، ويشعر بأثره السريع. حكومة شريف إسماعيل لم تترك في نفوسنا إلا المرارة، في عهدها حدثت أسوأ موجة غلاء عرفتها مصر، فلماذا لا تحاول أن تجمل صورتها وتترك أثرا طيبا في نفوس المصريين، بالاهتمام بهذه التفاصيل الصغيرة «النظافة»، وهو بمثابة ضرب عصفورين بحجر واحد، تحسين الظروف الحياتية للمصريين وتحسين صورة مصر سياحيا.

(5)

فقر المال ليس عيبا، لكن العيب هو فقر الفكر، أي مسؤول يدير ظهره لمشاكل فقراء وطنه لا يستحق البقاء في موقعه. النمو الاقتصادى وجذب المستثمرين ورجال الأعمال، والمشاريع العملاقة والإنجازات الضخمة، موضوعات تجد من يتحدث عنها ويتبناها، ولكن معاناة الناس اليومية لا تجد من يدافع عنها، الانحياز للمواطن البسيط ليس شعارا، لابد أن يتحول لفعل ينفذ كل لحظة على الأرض.. القبح والقذارة عار على مصر لا تخفيه الحملات الدعائية ولا المؤتمرات السياحية.

شاهد أيضاً

6 وزيرات .. ” مش كفاية “

بقلم : ناهد المنشاوى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حلم المرأة المصرية تحقق بدخول وزيرتين هما د. إيناس عبدالدايم …