الإثنين , 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / راى / عودة حرامى الغسيل !!

عودة حرامى الغسيل !!

بقلم : مى عزام

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

ما أرويه في هذا المقال، ليس فيه كلمة واحدة من وحى الخيال، كل حرف حقيقى 100%، أقص عليكم جزءا من حوارات دارت بينى وبين السيدة (ح.م) وهى سيدة شابة جامعية تكافح من أجل حياة شريفة ولائقة كغالبية المصريين، تعمل في إحد الهيئات الخاصة مرتبها الصافى ألف ومئة جنيه وزوجها يعمل في القطاع الخاص ودخله الصافى ألفين جنيه، لها 3أبناء، في التعليم الابتدائى الحكومى، تعيش في شقة إيجار في منطقة شعبية، وبجوارها يعيش والديها وكذلك حماتها، أخوها الوحيد الذي يصغرها بعدة أعوام توفى وعمره 30 سنة، في حادث ميكروباص أثناء عودته من العمل، وترك وراءه زوجة وطفلة ورضيع، كان عائلهما الوحيد، ابنة أخيها في الخامسة من العمر تعانى من السرطان وتتردد على مستشفى 57357 للعلاج، والدها على المعاش، مصاب بالسكر، الذي جعل من حياته جحيما، فهو يدخل في غيبوبة سكر، بتر أصابع قدمه اليسرى بسبب مضاعفات المرض، وكثيرا ما يتردد على المستشفيات حين تسوء حالته ويحتاج رعاية مكثفة، والدتها مريضة ضغط تعيش نصف حياة بعد وفاة ابنها الوحيد، وهى لم تخلع الأسود منذ وفاة أخيها. الأسرة مصدر دخلها معاش الأب ألف ومئتى جنيه بعد الزيادات بالإضافة إلى مساهمات شقيقاتها (دبلوم تجارة) مرتباتهما بسيطة، تعملان في مكاتب خاصة، لم يتزوجا، لأن كل من يتقدم إليهما، يريد منهما المشاركة في تأسيس بيت الزوحية وهما لا يملكان فائضا يسمح لهما بذلك، السيدة (ح.م) مسؤولة عن كل هؤلاء: زوجها وأولادها، والديها وشقيقاتيها، ابنة أخيها المريضة، فهى تساعد ماديا على قدر استطاعتها، ومعنويا وجسديا بكل طاقتها، فهى التي تصطحب ابنة أخيها لمستشفى 57357 لتتلقى العلاج وهى التي تبحث لأبيها عن مستشفى في منتصف الليل حين يدخل في غيبوبة، وهى التي تشترى للأم ماتريد، وأختيها تعتمدان عليها في كل شىء، نادرا ما تشكو، مرة فعلتها وقالت: والله لولا خوفى من ربنا يا أستاذة ..كنت موت نفسى، والله العظيم من ساعة أخويا ما مات مشفت يوم حلو، كل يوم أخرج من البيت وأقول يا ريتنى أنا اللى مت بداله، مش علشان كان حبيبى وظهرى وبس، لأ علشان الحمل تقيل مش قادرة عليه لوحدى وهو كان بيشيل معايا.

كثيرا ما تشكر قائلة: الحمدلله، أنا أحسن من غيرى كثير، محدش فينا بيبات جعان، صحيح العيال عايزين ياكلوا لحمة وفاكهة وعيش فينو زى أصحابهم، لكن مستورة، احنا عندنا في الحتة، أسر مش لقية تاكل، أول امبارح، أم ميادة نزلت بنتها تجيب فول من العربية اللى قدامنا، بتاع الفول مرديش يديها كيسين فول كل كيس بجنيه، قال لها مفيش بجنيه، لما شفت المنظر ده، نزلت بنتى اشترت لهم بخمس جنيه فول وطعمية.

(2)

السيدة (ح.م) من الشخصيات التي ينطبق عليها قوله تعالى: تحسبهم أغنياء من التعفف، جمعتنى الصدفة بها منذ أيام قليلة، سألتها عن أحوالها، حمدت كعادتها ثم ابتسمت وقالت: حرامية الغسيل رجعوا يا نفضونا يا أستاذة، أنا شقتى على الشارع في الدور الأرضى، آخر مرة نشرت الغسيل على الحبال أتسرق نصه، من وقتها بنشره على الكنبة والسراير، الحرامى سرق الجلبيتين اللى ببدل عليهم في البيت، ونص لبس العيال.. شوية.. شوية الناس هتاكل بعض، الغلاء مضيق خلق الناس، كل يوم خناقة في الميكروباص علشان الأجرة، الأجرة زادت نص جنيه رايح بقيت آخدها مشى لحد الشغل، منها رياضة ومنها توفير، أولادى أولى بالزيادة.

(3)

السيدة (ح.م) لم تستفد من مظلة الحماية التي صدعتنا بها وزيرة التضامن إلا ببطاقة التموين التي لا تغنى من جوع، ولا ينطبق عليها أو على والدتها أو حتى أسرة أخيها شروط معاش تكافل وكرامة، رغم أنهم جميعا يستحقون مساعدة الدولة، وهى ليست حالة فريدة أو مأساوية فمثلها ملايين، بل هي تجد أن حالها أفضل من غيرها بكثير، فمازال لديها غسيل يسرق.

عودة حرامى الغسيل في المناطق الشعبية والفقيرة دليل على أن ظروف الحياة أصبحت صعبة للغاية على المصريين الفقراء، وصعبة على الطبقات الوسطى وكل من هو محدود الدخل.

(4)

حكومتنا لا تتوقف عند ظاهرة سارق الغسيل ولا خطف الأطفال وتجارة الأعضاء المزدهرة، لكن عيونها تحصى مرتادى المولات والمدن الترفيهية والمنتجعات السياحية و«الكمبوندات» التى تحاكى الحياة في باريس وتتفوق على دبى، وطوابير الحصول على أحدث موديل من آيفون الجديد وشراء تذاكر حفلة عمرو دياب، وتظن أن أهل المحروسة كلهم من هذه العينة، وأن البلد مليانة فلوس، ولكن في الحقيقة أن فلوس البلد كلها في يد نسبة لا تزيد على بأى حال من الأحوال على 10% من سكان مصر، العجيب والمدهش أن حكومتنا التي فقدت صلاحيتها، تخطط مستقبل مصر على أساس هذه النسبة ولخدمتهم، فهم زبائن الحكومة التي تعمل لهم حسابا، أما ال90% الباقية فلايستمع لشكواهم إلا الله.

شاهد أيضاً

أميمة عبد العزيز زاهد

أيها الرجل : العطاء .. هو قمة الشموخ

بقلم : أميمة عبد العزيز زاهد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قالت: ألم تتعب يا سيدي من محاولاتك المتكررة حتى …