الخميس , 24 مايو 2018
الرئيسية / راى / نتنافس كـ “الغيلان” .. لإشباع الغرائز

نتنافس كـ “الغيلان” .. لإشباع الغرائز

لطيفة الدليمى

بقلم : لطفية الدليمي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جادل هيرمان هيسه في روايته الأولى ذات النزعة الرومانتيكية “بيتر كامينتسيند” عن عنصرين مهمين: – عنصر الموت وعنصر الحب وشكلا انشغالاته الأهم لاحقا، ولكنه راهن في روايته “لعبة الكريات الزجاجية” على أفق أكثر اتساعا يتخلله التأمل المشرقي والتعويل على مبدأ “الين واليانغ” نتاج الفلسفة الكورية، مرجحا مبدأ القطبين المتقابلين في ذلك الفكرالشرقي القائل بتناقض النور والظلام وتكاملهما مثلما تأثر لاحقا بفلسفة القديس فرانسيس الأسيزي فمنح أعماله مسحة صوفية تجلت في موضوعة تساوي الكائنات والإنسان في الحب وإمكانية انسجامهما، لكن عمى الحضارة واضطرابها أدى بهما إلى التنافر.

توقف هيسه طويلا إزاء محنة الحضارة في القرن العشرين ناعيا حياة البشر المحشورين بين عصرين خارج كل أمان وبراءة وكأنه كان ينعى شعوبنا المحصورة بين القرون المظلمة والقرن الحادي والعشرين، هذه الشعوب التي تحيا أقدارها المريعة وكأنها تقيم في لحظة الدينونة.

يصف هيسه في “ذئب البراري” واقع القرن العشرين وحضارته القلقة وفوضاها وكأنه يرى بعين العراف فوضى ما بعد الحداثة التي بلغ معها الفكر والفن حالة مزرية من تفاهة التبسيط والتسطيح، وكأنه يردد معنا اليوم سؤالنا القانط: أهذا ما كانت ترجوه الإنسانية من سراب عبر مسيرتها المضنية؟

أجل فقد انفصلت البشرية عن تيار الحياة المتدفق بالجمال والأمل وغطست في سوداوية عدمية وعنف وحروب ماحقة.

قدمت روايات هيسه رؤية سباقة لرؤى ما بعد الحداثة التي جسدت أزمة الإنسان في عدميته ويأسه وانكفائه عندما ناقش هيسه أزمة الروح وانحدار الفن وانغلاق الفكر في مرحلة ما بين الحربين العالميتين بينما كان يرنو إلى عالم خصب من الإيمان السرمدي بالحياة والجمال.

وليت هيرمان هيسه بلغ هذا العصر الذي يتربع فيه على سدة الحكم لأكبر وأقوى دولة في العالم رجل عنصري أخرق مثل دونالد ترامب لكان وصف زمننا بأنه عصر العمى الروحي والعمى الفكري بفنونه المتهافتة وشركاته متعددة الجنسيات وإرهابه من جانب، وتفكك المجتمعات التي اجتاحتها الحروب وانحدار التعليم والاقتصاد وانهيار القيم من جانب آخر، كما حصل في منطقتنا والبلدان التي طالتها حرائق الإرهاب وعنف الحروب الأهلية الطائفية.

نتساءل هنا: هل كان رأي هيسه منطقيا عندما أعلن في أحد أعماله أن العالم وجد للحياة العابرة الزائلة وأن معظم البشر ليسوا أهلا للتعامل مع الفكر والفن بل هم مؤهلون للتعامل مع أمر محدد واحد هو إشباع الضرورة الأولية وضمان البقاء الحيوي من غير أن يرتقوا بجانبهم الروحي والفكري والرؤيوي؟

يمكن القول إن بوسع الكائن التحكم بمصيره حتى لو كان موشكا على الهلاك عندما يقابل كائنا يتكامل معه، فقد يلتقي بامرأة تمثل المصير المرتجى، أو ينتج عملا موسيقيا أو فنيا يحدد شكل حياته ومستقبله، أو على النقيض من هذين الافتراضين: هناك من ينصرف إلى الملذات العابرة ويرهن روحه للمكاسب الضحلة وينصرف بعيدا عن المعاناة الفكرية والتطلعات الطموحة شأنه شأن الملايين التي تدب على وجه الأرض في عصر الانحطاط الروحي والقيمي.

سيصارع الإنسان الآخر المرهف والطموح والمتشبع برؤى رومانسية مثالية عن التحضر والسلام والأدوار الإيجابية في الحياة، سيصارع جيوشا من الخاملين المنصاعين لروح العصر المتردية والانحطاط الجائح وسيجد نفسه معزولا ووحيدا في مجتمعات تتجه نحو الانقراض وهي تتصارع مغيبة الوعي في ماراثون مهين وتستسلم لخدر الفن التافه وتتنافس كالغيلان لاقتناص المتع وإشباع الغرائز من غير مبالاة بمصيرها ومصير العالم من حولها.

  • كاتبة عراقية

شاهد أيضاً

المملكة الفيسبوكية الزرقاء

بقلم : لطيفة الدليمى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يس من شكّ في أنّ وسائل التواصل الاجتماعي شكّلت انعطافة …