الإثنين , 24 سبتمبر 2018
الرئيسية / راى / وصفة اسبانية .. لمشاكل الأسرة العربية

وصفة اسبانية .. لمشاكل الأسرة العربية

بقلم : يمينة حمدى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

،، الغذاء هو الوقود لأجسادنا، وكذا الحوار هو غذاء لأرواحنا وعقولنا، وحين نتحاور ونتبادل أطراف الحديث بيننا، تتاح لنا الفرصة للتعبير عن أنفسنا ،، .

العمل كالطعام، ليس بإمكان أي شخص أن يحيا من دونه، باستثناء من يستهويهم العيش عالة على غيرهم، ومن الطبيعي أن يسعى معظمنا إلى تحقيق طموحاته المهنية المختلفة، ولكن أحيانا قد تدفعنا التطلعات الذاتية إلى الإدمان على العمل، مما يقضي تماما على مساحة الوقت الخاصة بالحياة الأسرية.

كما تتعارض ساعات العمل الطويلة التي باتت شائعة اليوم مع الحياة الأسرية، أثرت المواقع الاجتماعية بدورها على ما تبقى من أوقات الفراغ المخصصة للأنشطة الأسرية الجماعية، ولا عجب إذن ألا يجد بعض الأزواج بضع دقائق للخروج مع أطفالهم والاستمتاع معهم بنزهة صغيرة تعود بالفائدة على الجميع.

وهذا النمط من الحياة يكاد يكون متشابها لدى الكثير من الآباء والأمهات العاملين في معظم المجتمعات المعاصرة، التي أصبح فيها تحقيق التوازن بين العمل والحياة الخاصة غاية لا تدرك. يقول الكاتب الأميركي جيمز غان في مقال له “لا أحد يستطيع أن يعمر طويلا إذا كان مهووسا بالعمل لدرجة أن يستحوذ العمل على كل وقته. هذا الهوس بالعمل يؤدي إلى مضاعفة مستويات الضغط والتوتر، مما يفضي في النهاية إلى نتائج عكسية تؤثر سلبا على العمل ذاته”.

وتشير نتائج الدراسات إلى أن العمل لساعات طويلة يمكن أن يؤدي إلى الإجهاد أو ما يسمى طبيا “الاحتراق النفسي”، وهو الإنهاك الجسدي والعاطفي والنفسي الناتج عن الإفراط في العمل وعدم أخذ قسط من الوقت للراحة والاستجمام، والذي أصبح أحد أهم الأمراض المهنية السائدة في عصرنا الحالي.

الأسوأ من ذلك أن الفرص القليلة التي قد تتاح للبعض لتناول وجبة العشاء مع أسرهم، إما أن يخيم عليها صمت الزوجين، وإما يكثر فيها الأمر والنهي للأطفال بالكف عن الكلام أثناء الطعام، على الرغم من أن التحدث على طاولة الطعام يحتوي على مضامين إيجابية بالنسبة للصغار والكبار على حد السواء.

هناك العديد من القواعد السلوكية في ثقافتنا العربية، تربينا عليها فأصبحت بالنسبة لنا من المسلمات، وغدا تطبيقها في حياتنا يتم ميكانيكيا، ومن دون إعادة نظر أو تفكير في مدى صحتها، بل ونعمل على تلقينها لأبنائنا ليقتدوا بها رغم أنها في أغلبها مجرد خرافات.

التقدير الكبير للصمت في مقولة “لا كلام على طعام ولا سلام على طعام”، التي يطلقها الكثيرون بصورة طنانة، يبدو في غير محله، لأن الحديث أثناء جلسة الطعام وليس خلال التهام الطعام، يعد أثمن استثمار في حياتنا الأسرية.

تقول دراسة بريطانية إن الحديث أثناء تناول وجبات الطعام يساعد الأطفال على تنمية مهارات الإتصال بطريقة واضحة ومباشرة، والذي يعد من أولويات الشركات والمؤسسات أثناء عمليات التوظيف. وهو ما ينطبق على مجالات متعددة مثل الاستشارات والتسويق، أو غيرهما من الوظائف التي تحتاج إلى مهارات التحدث بكل ثقة في النفس.

ثمة تقليد شائع في المجتمع الإسباني، لا يوجد مرادف له في ثقافتنا العربية، هو الجانب الاجتماعي الذي توليه الأسر لوجبة الغداء، والذي تهتم به أكثر من ولعها المعتاد بأصناف الطعام التي تزين بها موائدها. ولهذا لا يغادر الجالسون المائدة بمجرد أن يشعروا بالشبع، بل ينتظرون وجبة أخرى دسمة من الأحاديث والقصص المرحة، للتخلص من التوتر والقلق الناتج عن أعباء الحياة المختلفة.

الغذاء هو الوقود لأجسادنا، وكذا الحوار هو غذاء لأرواحنا وعقولنا، وحين نتحاور ونتبادل أطراف الحديث بيننا، تتاح لنا الفرصة للتعبير عن أنفسنا، وحينما نستمع إلى أحاديث الآخرين تنشأ بيننا وبينهم علاقة وصل، تجعلنا نشعر جميعا أننا كيان واحد ونواجه مصاعب الحياة معا ونسعى جميعا لتحقيق أفضل مستقبل لنا.

لا شك أن جلسات معظم الأسر حول مائدة الطعام لا تحدث يوميا، ولكن حين تتاح لكم الفرصة تذكروا أن الكلمات المنطوقة في ما بينكم والاتصال وجها لوجه سيحدثان فارقا كبيرا في مشاعركم وحياتكم ورفاهكم، وسيؤسسان بالنهاية لحياة أسرية صحية، ومن دون هذا التواصل المباشر بينكم سيفقد مفهوم الأسرة مضمونه.

  • صحفية تونسية مقيمة فى لندن

شاهد أيضاً

ميغان ماركل .. ” سندريللا عصرية “

بقلم : شيماء رحومة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ،، باختصار كشف الزفاف الملكي أن البساطة والوفاء والمحبة الخالصة …