الأحد , 24 يونيو 2018
الرئيسية / راى / وماذا عن الشياطين؟

وماذا عن الشياطين؟

بقلم : لمياء المقدم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العنوان، كما هو معروف، من رواية شهيرة للكاتب الليبي إبراهيم الكوني، استعرته مؤخرا للاستفسار عن هوية سيدة مجهولة تراسلني باستمرار وتبعث الملاحظات، والتعليقات والتلميحات بلا توقف.

تقرأ هذه السيدة كل ما أكتبه، وتتفاعل معه بأسلوب شيق ودقيق ولافت. لم ألتق المرأة ولا أعرفها، أو ربما التقيتها ونسيت، أو أنها من المقربين مني وتتخفى خلف اسم مستعار. وأيا كانت صفتها فهي شخصية عميقة ومثيرة للفضول، رغبت بإرادتها ولأسباب تخصها، في أن تتحول إلى ما يشبه الملاك القريب البعيد.

في حياة كل منا ملاك مجهول، نلتقيه في مكان ما دون أن نتعرف على ملامحه، نصافحه، نحادثه لبعض الوقت ثم نفترق، إلى الأبد أحيانا.

عندما أسافر إلى مكان ما انتبه جيدا إلى ملاكي الخفي، أنتظره وأتوقعه دائما كأننا على موعد. أعرف أنه هناك وأن لحظة ظهوره في موقف ما، في حافلة أو سوق أو مطعم لن تتأخر.

أجمل ثلاث صداقات عقدتها في حياتي كانت مع ملائكة من هذا النوع الغامض، العابر، المؤقت، ذي الملامح الباهتة، التي بالكاد نتذكرها وبالكاد نميزها: الصداقة الأولى كانت مع نادل في مقهى في عمان، دخلته مصادفة وأنا أتجول بمفردي في أزقة المدينة القديمة، قدّم لي قهوة عربية وحدثني عن المدينة، وأحلامها، وعن قناديل الشارع، والورود التي في الشرفة وطريقة رعايتها. مرة واحدة لا غير، لم أره بعدها أبدا، لكنني أتذكره دائما في مدينتي البعيدة كلما منحت نباتاتي ماء، أو اندفع الضوء فجأة إلى مصباح في شارع مظلم.

الصداقة الثانية مع سيدة على متن طائرة، لا أذكر ملامحها جيدا، لكن ما أذكره هو الدفء الذي كان يندفع منها، والهدوء والعمق في ملامحها وكلامها. حدثتني طويلا عن تخليها عن مهنة الطب لرعاية أسرتها، وعن الحياة وأولوياتها وخياراتها، وعن وقفة التأمل التي تعقب كل ذلك عندما نقرر فجأة أن نلتفت خلفنا لنرى أين نحن، ماذا تركنا وراءنا وما الذي ينتظرنا؟

الصداقة الثالثة، مع شخص التقيته بينما أنا ضائعة في شوارع وزحمة القاهرة أبحث عن إحدى المكتبات لشراء كتابي المعروض لديها، سألته، فدلني بإشارات من يده، ومشى معي بضع خطوات ليكشف الطريق، بعد ساعة أو أكثر، في طريق العودة، وجدته مجددا، وأنا أبحث عن المقهى الذي انطلقت منه، فأخذني للمقهى، حيث شربنا قهوة معا، احتفاء بصداقة ولدت للتو، كانت كتبي معي، فأهديته نسخة منها، كتبت عليها “من أجل صداقات الملائكة”.

صداقات الملائكة، هي تلك العلاقات العميقة جدا التي تربطنا بأشخاص عابرين جدا، نعرف أنهم لن يشكّلوا حيّزا من حياتنا، ولا نرى ضرورة لذلك. هم أصدقاء اللحظة، وجودهم يقاس بعمقها، وبما يتركونه داخلنا، وما نأخذه منهم.

وماذا عن الشياطين؟

هؤلاء موجودون أيضا، ولا يجب أن نخلط بينهم وبين ملائكتنا الموزعين في وجوه الغرباء، وبين البشر والعابرين.

استغربت مرة وأنا أسير في شوارع إحدى المدن العربية من عدد البنات اللاتي كُنّ يبتسمن لي، كنت مندهشة تقريبا من حجم البسمة على الوجوه التي تقاطعني، للحد الذي دعاني للاستفسار من مرافقي الذي يمشي بجانبي عن سبب كل هذه الابتسامات التي تبعث بها الفتيات باتجاهي، فقال “هذا لأنك تبتسمين لهن، وما ترينه على شفاههن هو رد فعل على بسمتك!”.

أعتقد أن هذا صحيح، فأنا أسير دائما في الشوارع مبتسمة للبشر، ومحتضنة لهم، بحثا عن ملائكتي الموزعين في الأرض. وغالبا ما أجدهم، أو يجدونني هم.

  • كاتبة تونسية

شاهد أيضاً

ميغان ماركل .. ” سندريللا عصرية “

بقلم : شيماء رحومة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ،، باختصار كشف الزفاف الملكي أن البساطة والوفاء والمحبة الخالصة …